فضل تعلُّم القرآن الكريم وتعليمه
مقدمة
يُعدُّ القرآن الكريم أعظم كتاب أنزله الله تعالى لهداية البشر، وجعل فيه النور، والشفاء، والرحمة، والفرقان، فكان تعلُّمُه وتعليمه من أشرف الأعمال التي يتقرب بها العبد إلى ربه. قال النبي ﷺ: «خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه»¹. ولا عجب، فإن الاشتغال بالقرآن يُقرِّب العبد من ربه، ويُزكِّي نفسه، ويعلو بمكانته في الدنيا والآخرة.
أولًا: منزلة القرآن الكريم
القرآن الكريم كلام الله عز وجل، تكلَّم به حقيقة بحرف وصوت، أنزله على نبيه محمد ﷺ ليكون هداية للعالمين، قال تعالى:
﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًىۭ لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍۢ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ ﴾ [البقرة: 185]².
ولما كانت هذه المنزلة العظيمة، كان الواجب تجاهه أعظم: حفظًا، وتدبرًا، وتلاوة، وتعليمًا، وعملاً.
ثانيًا: فضل تعلُّم القرآن الكريم
من خيرية الأمة: يقول النبي محمد صلي الله عليه وسلم: «خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه»¹، أي أن أرفع الناس منزلة عند الله من اشتغل بالقرآن تعلُّمًا وتعليمًا.
رفعة الدرجات في الدنيا والآخرة: قال تعالى: «يُقالُ لصاحبِ القرآنِ: اقرأْ وارقَ ورتِّلْ كما كنتَ ترتِّلُ في الدنيا، فإنَّ منزلتَكَ عندَ آخرِ آيةٍ تقرؤُها»³.
القرآن شفيعٌ لأصحابه: قال النبي
محمد صلي الله عليه وسلم: «اقرؤوا القرآنَ، فإنه يأتي يومَ القيامةِ شفيعًا لأصحابه»⁴.
ثالثًا: فضل تعليم القرآن
تعليم القرآن هو امتداد لمهمة النبي محمد صلي الله عليه وسلم الذي كان يُعلّم الناس الكتاب والحكمة، ويُزكِّيهم، كما قال تعالى:
﴿ هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلْأُمِّيِّـۧنَ رَسُولًۭا مِّنْهُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ [الجمعة: 2]⁵.
المعلّم وارث الأنبياء: لأنهم لم يورّثوا دينارًا ولا درهمًا، بل ورّثوا العلم.
كل حرف تُعلِّمه يُكتب لك به أجرٌ عظيم: قال صلي الله عليه وسلم: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها»⁶.
رابعًا: تعلُّم القرآن عبادة قلب وعقل ولسان
تعلُّم القرآن لا يقتصر على الحفظ فقط، بل يشمل:
التلاوة الصحيحة بالتجويد.
التدبر والفهم: قال الله تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ﴾ [محمد: 24]⁷.
العمل بما فيه.
نقل الهداية إلى الغير.
خامسًا: لماذا نحفّز أبناءنا على تعلُّم القرآن؟
لأنه يُهذِّب الخلق، ويقوي الإيمان، ويربّي النفس على الصدق والطهارة والجد.
لأنه يحصِّن الأبناء من الانحرافات الفكرية والسلوكية.
لأنه يجمع لهم بين الفضل الدنيوي والنجاة الأخروية.
سادسًا: كيف نعلّم أبناءنا القرآن؟
بالقدوة الصالحة: أن يروا في الوالدين تعظيم القرآن.
بالتدرّج والتشجيع.
باختيار معلمين مؤهلين.
بربط الحفظ بالفهم والسيرة.
ببيئة محبّة للقرآن في البيت والمدرسة.
سابعًا: مكانة حامل القرآن
يُكرم يوم القيامة ويلبس والديه تاج الوقار.
يُرفع شأنه بين الناس.
لا ينبغي للمسلم أن يجعل علاقته بالقرآن محصورة في رمضان أو في أوقات الشدة فقط، بل هو كتاب حياة، يهدي، ويرشد، ويقوم السلوك في كل لحظة من لحظات العمر. قال الإمام ابن القيم: “القرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية وأدواءِ الدنيا والآخرة”.
وقد بيّن السلف الصالح كيف كانوا يجعلون القرآن جزءًا من برنامجهم اليومي، تلاوةً، وتدبّرًا، وعملاً، فكان منهم من يختم القرآن في سبع، ومنهم من يجعل لكل يوم وِرده الخاص، وقد أثبتت الدراسات التربوية أن انتظام الطفل أو الشاب على ورد قرآني يومي يُكسبه صفات الانضباط والهدوء النفسي وحُسن التعامل مع الآخرين.
أثر تعليم القرآن على النشء والمجتمع
عندما ينتشر تعليم القرآن في بيت أو مجتمع، يبدأ الأثر الإيجابي بالظهور تدريجيًا: في الأخلاق، وفي السلوك، وفي العلاقات، بل حتى في التحصيل الدراسي والقدرات الذهنية. وتؤكد التجارب الميدانية في المدارس القرآنية حول العالم، أن الطلاب الذين يتعلمون القرآن بانتظام يتميزون بتركيز أعلى، وحفظ أسرع، وسلوكيات أكثر تهذيبًا من غيرهم.
وقد ثبت بالتجربة أن البرامج التعليمية التي تدمج بين تحفيظ القرآن وفهم معانيه وآدابه وتفسيره تحقق نتائج مضاعفة في بناء الشخصية الإسلامية المتوازنة، التي تجمع بين العقل والروح والعمل.
منهجية تعليم القرآن للأبناء
من الأخطاء الشائعة في تعليم القرآن أن يبدأ بعض الآباء والأمهات مباشرة بالحفظ دون تهيئة الطفل نفسيًا وروحيًا، ودون ترغيب، بل أحيانًا بضغط وشدة. بينما المنهج النبوي والتربوي الصحيح يبدأ بغرس محبة القرآن، وتحبيب الطفل في صوت التلاوة، وربطه بقصص السور، والحديث عن فضل كل سورة وموقف.
ينبغي للمعلم أو الوالد أن يسلك مراحل التعليم التربوي المتكامل:
- الترغيب والتشويق.
- التأسيس الصحيح للنطق ومخارج الحروف.
- التدرج في الحفظ.
- المراجعة المنظمة.
- ربط الآيات بالسلوك اليومي.
ولقد أحسن الإمام السعدي في تفسيره حين أشار إلى أن المقصود الأعظم من التلاوة هو الاتباع والعمل، وليس مجرد الحفظ، فقال: “الغاية من التلاوة أن تكون وسيلة للهداية والعمل، لا أن تكون للتلاوة فقط”.
القرآن وتزكية النفس
القرآن الكريم هو مصدر التزكية الحقيقي، فهو يُطهّر القلب من الشرك، والرياء، والحقد، وسوء الظن، وسائر أمراض النفوس. وإذا أردنا جيلًا صالحًا مستقيمًا، فلا سبيل إلا بتربيته على نور القرآن. قال تعالى:
﴿ هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلْأُمِّيِّينَ رَسُولٗا مِّنْهُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ الجمعة: 2.
والمعنى أن التزكية لا تكون إلا عبر هذا المنهج الإلهي: التلاوة، والتعليم، والتزكية. فكل من طلب صلاح النفس بغير هذا المنهج، فلن يُفلح. وهذا أصل عظيم ينبغي أن تبنى عليه البرامج التربوية والتعليمية المعاصرة.
أثر تلاوة القرآن في طمأنينة القلب
كثيرة هي الأبحاث النفسية التي تثبت أن سماع القرآن أو قراءته تحدث في النفس راحة وسكينة لا يمكن مقارنتها بأي مؤثر آخر. وهذا من إعجاز القرآن، قال الله تعالى:
﴿ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ ﴾ الرعد: 28.
وقد روى الإمام مسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: “زَيِّنُوا القرآنَ بأصواتِكم، فإنَّ الصوتَ الحَسنَ يزيدُ القرآنَ حُسنًا” (3)، وهذا يدل على أهمية تحسين الصوت في التلاوة، وتأثيره العميق في النفس، وخصوصًا في نفوس الأطفال والناشئة.
تعليم القرآن عبر الإنترنت: ضرورة أم بديل؟
في عصرنا الحالي، أصبح تعليم القرآن الكريم عن بُعد خيارًا ناجحًا لكثير من الأسر، خاصة في البلاد التي تقل فيها الفرص أو يتعذر الوصول إلى المعلمين المختصين. وقد ساعدت الأكاديميات المتخصصة في تعليم القرآن أونلاين على سد هذه الفجوة، بشرط أن تلتزم بالضوابط الشرعية والتربوية والتعليمية.
وينبغي أن يراعي البرنامج الإلكتروني الناجح الأمور الآتية:
اختيار معلمين مؤهلين مجازين.
وجود نظام واضح للتقويم والمتابعة.
دمج الفهم مع الحفظ، وليس الحفظ فقط.
توافر بيئة آمنة ومحفزة للطالب.
إشراك ولي الأمر في المسيرة التعليمية
المصادر
- رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلّمه.
- [البقرة: 185].
- رواه الترمذي (2914) وقال: حسن صحيح.
- رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل قراءة القرآن.
- [الجمعة: 2].
- رواه الترمذي (2910) وقال: حسن صحيح.
- [محمد: 24].
- رواه ابن ماجه (215) وصححه الألباني.
- [الجمعة: 2] – تفسير ابن كثير، ج8، ص114.
- [الرعد: 28] – تفسير السعدي، ص425.
- رواه مسلم (793) – وصححه الإمام النووي في شرحه.



